صورة: PublicDomainPictures / Pixabay
العربية
لمدة نصف قرن، كان اكتشاف كيفية طي بروتين واحد يستغرق سنوات من العمل المخبري الشاق، وهناك مليارات منها. ثم تعلّم ذكاء اصطناعي التنبؤ بالإجابة في ثوان. وقد رسم الآن خريطة لكل بروتين معروف تقريبا، وبدأ في تصميم الأدوية.
كل كائن حي يعمل بفضل البروتينات. فهي تهضم طعامك، وتحمل الأكسجين في دمك، وتحارب العدوى، وتبني بنية خلاياك. ووظيفة أي بروتين تتحدد بالكامل تقريبا بشيء واحد: شكله.
المشكلة أن البروتين يُبنى كسلسلة طويلة تطوي نفسها بعد ذلك، في جزء من الثانية، إلى عقدة ثلاثية الأبعاد معقدة. وكان اكتشاف ذلك الشكل النهائي، انطلاقا من السلسلة وحدها، واحدة من أصعب المشكلات المفتوحة في علم الأحياء بأسره. لمدة 50 عاما، استعصت هذه المشكلة على أفضل علماء العالم.
ثم حلّها ذكاء اصطناعي. وفي عام 2024، فاز ذلك الإنجاز بجائزة نوبل في الكيمياء.
لماذا كان الطي بهذه الصعوبة
المشكلة في جملة واحدة: يمكن للبروتين نظريا أن يطوي نفسه إلى عدد فلكي من الأشكال المحتملة، لكنه في الواقع يستقر على شكل واحد فقط. والتنبؤ بأي شكل، انطلاقا من الوصفة الكيميائية، معقد بشكل جهنمي.
على مدى عقود، كانت الطريقة الموثوقة الوحيدة لمعرفة تركيب بروتين ما هي تحديده تجريبيا: تقنيات مخبرية شاقة قد تستغرق من طالب دكتوراه سنوات لتحديد بروتين واحد. وفي الوقت نفسه، كان علم الأحياء قد فك تسلسل وصفات مئات الملايين من البروتينات التي ظلت أشكالها لغزا. كانت الفجوة بين “الوصفات التي نعرفها” و”الأشكال التي نفهمها” أشبه بواد سحيق.
ظهور ألفافولد
النظام الذي سدّ تلك الفجوة يُسمى ألفافولد، وبناه مختبر الذكاء الاصطناعي غوغل ديب مايند. فبدلا من محاكاة فيزياء عملية الطي، تعلّم النظام بنفسه. ومن خلال التدريب على البروتينات التي كان العلماء قد حلّوا تركيباتها بشق الأنفس، علّم النظام نفسه الأنماط العميقة التي تربط بين السلسلة وشكلها النهائي.
أذهلت النتيجة هذا المجال العلمي. ففي مسابقة طويلة الأمد تتنافس فيها الفرق على التنبؤ بتركيبات البروتينات، فاز ألفافولد، وبفارق كبير: فقد قدّم تنبؤات دقيقة لدرجة أنها ضاهت التجارب المخبرية البطيئة والمكلفة. وانهارت مشكلة كانت تُقاس بالسنوات لتصبح تُقاس بالثواني.
خريطة لكل بروتين نعرفه تقريبا
ثم قامت ديب مايند بشيء ضاعف الأثر بشكل هائل: بالتعاون مع المعهد الأوروبي للمعلوماتية الحيوية، شغّلت ألفافولد على كل بروتين تقريبا سجّله العلم (أكثر من 200 مليون بروتين) وأصدرت قاعدة البيانات بأكملها، مجانا، للعالم.
بين ليلة وضحاها، أصبح بإمكان الباحثين الذين ربما كانوا سيقضون سنوات في ملاحقة تركيب واحد أن يبحثوا عنه ببساطة. وقد جذبت تلك القاعدة منذ ذلك الحين أكثر من ثلاثة ملايين مستخدم في أكثر من 190 دولة، وتغذي أعمالا تتراوح من مقاومة المضادات الحيوية إلى الأمراض الاستوائية المهملة إلى الإنزيمات التي قد تحلل يوما ما نفايات البلاستيك.
في عام 2024، احتفت جائزة نوبل في الكيمياء بهذا العمل. ذهب نصفها إلى ديفيد بيكر لإنجازه الصعب بالمثل المتمثل في تصميم بروتينات جديدة كليا من الصفر. أما النصف الآخر فتقاسمه ديميس هاسابيس وجون جمبر من ديب مايند، لتنبؤهما بأشكال البروتينات الموجودة بالفعل. وذهبت الجائزة إلى ثلاثة أشخاص، لا إلى آلة.
من قراءة البروتينات إلى تصميم الأدوية
معرفة شكل البروتين ليست مسألة أكاديمية بحتة. فمعظم الأدوية الحديثة تعمل بالارتباط ببروتين معين، قفل يكون الدواء مفتاحه. وإذا استطعت رؤية القفل بالتفصيل، يمكنك تصميم مفتاح أفضل.
تذهب الإصدارات الأحدث من النظام إلى أبعد من ذلك، فتتنبأ ليس فقط بشكل البروتين بل أيضا بكيفية تفاعله مع جزيئات أخرى، وهو بالضبط السؤال الذي يحتاج مصمم الدواء إلى إجابة عنه. وهذا يحوّل المراحل الأولى البطيئة والمعتمدة كثيرا على الحظ في اكتشاف الأدوية إلى شيء أسرع وأكثر تعمدا.
الدرس الأكبر
من المغري وضع ألفافولد في نفس خانة روبوتات الدردشة ومولدات الصور، لكنها قصة مختلفة (وأكثر أهمية من بعض النواحي) عن الذكاء الاصطناعي. فهذه ليست آلة تنتج كلمات معقولة. إنها آلة حلّت مشكلة علمية حقيقية عمرها عقود، وأنتجت إجابات استطاع أهل التجربة التحقق منها، وسلّمت النتائج للعالم بأسره مجانا.
هذا هو نمط الذكاء الاصطناعي الذي يستحق أن نتحمس له: ليس ذلك الذي يكتب رسائلك الإلكترونية، بل ذلك الذي يعيد بهدوء كتابة ما هو ممكن داخل المختبر. فمشكلة أعجزت علم الأحياء لنصف قرن قد حُلّت إلى حد كبير، وإن لم تُغلق تماما. يمنحك ألفافولد شكلا ثابتا واحدا، وهناك بروتينات كثيرة مهمة تحديدا لأنها تتحرك، أو لأنها لا تملك شكلا ثابتا على الإطلاق، أو لأن تغيير حرف واحد فيها يغيّر كيفية سلوكها. وتلك هي الأجزاء التي لا يزال يخطئ فيها. ويُوجَّه النهج نفسه الآن نحو السرطان، والمضادات الحيوية الجديدة، والأمراض التي استعصت علينا لأجيال.
تعلمت الآلات قراءة لغة الحياة. ونحن فقط بدأنا نكتشف ما ستساعدنا على كتابته بها.
المصادر وقراءات إضافية
أُعِدّ هذا المقال وكُتب بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، وحُرِّر للتحقق من دقته. وهو للمعلومة العامة والنقاش فقط، وليس مشورة مهنية. راجع معاييرنا التحريرية وإخلاء المسؤولية. وجدت خطأ؟ أخبرنا.
أعجبك المقال؟ احصل على التالي.
مقال جيد واحد في كل مرة، يصلك مباشرة إلى بريدك. بلا رسائل مزعجة، ويمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.