fontStack && الهند أهدت العالم الصفر، فسجّله العالم باسم «الأرقام العربية» | tuput
الهند أهدت العالم الصفر، فسجّله العالم باسم «الأرقام العربية»
تاريخ الهند

الهند أهدت العالم الصفر، فسجّله العالم باسم «الأرقام العربية»

العربية

في كل مرة تكتب فيها رقمًا فأنت تستعمل اختراعًا هنديًا: نظامًا عشريًا قائمًا على الموضع، ورمزًا للعدم، وقد أعاد الاثنان معًا تشكيل طريقة تفكير البشر. فلماذا لا يكاد أحد يعرف من أين جاء، ولماذا نسمّي الأرقام بغير اسمها؟

فريق تحرير tuput · · 4 دقيقة قراءة

اكتب العدد 2,026. انظر إلى الرقم الأول. وحده، يعني «2» اثنين. وفي الموضع الذي يجلس فيه، يعني ألفين. الرقم نفسه لم يتغيّر، بل موضعه هو الذي منحه قيمته. والذي يفصل هذه المواضع بعضها عن بعض، ويمنع الآلاف من الانهيار في خانة العشرات، رمز صغير غيّر العالم: 0.

نستعمله بتلقائية شديدة حتى ليبدو أنه كان موجودًا دائمًا، قديمًا قِدَم العدّ نفسه. لم يكن كذلك. النظام الذي تعلّمته في أول سنة دراسية (عشرة أرقام، كل منها أكبر عشر مرات كلما انتقل منزلة واحدة إلى اليسار، ورمز للعدم يثبّت البناء كله) كان واحدًا من أبعد الاختراعات أثرًا في تاريخ البشر. وقد تشكّل عبر قرون، في الهند.

والغريب أن العالم أخذه، وأعاد تسميته، ثم نسي في الغالب أن يقول شكرًا.

لماذا كان «اللاشيء» هو الجزء الصعب

كثير من الشعوب القديمة عرفت العدّ. كان للرومان أرقامهم، وللبابليين نظام بالغ الإتقان، وأنجز الإغريق من الهندسة ما لا يزال يُبهرنا. لكن ما لم يكن لدى أيٍّ منهم تقريبًا طريقة نظيفة لكتابة اللاشيء كعدد. وبدون ذلك يصبح الحساب كابوسًا.

جرّب أن تضرب MMXXVI في XLVII بالأرقام الرومانية. لا عمود تحمل إليه، ولا علامة تُبقي الخانات الفارغة فارغة. هذه ليست مشقّة صغيرة، بل سقف يحدّ ما تستطيع حضارة كاملة حسابه.

كان الإنجاز الهندي هو التعامل مع الفراغ ذاته بوصفه كمّيةً تُكتب ويُحسب بها. الكلمة كانت شونيا، أي «الخلاء»، وهو مفهوم راسخ أصلًا في عمق الفلسفة الهندية. والقفزة كانت في انتزاع ذلك الخلاء من الفلسفة وإدخاله إلى الحساب، ومنحه شكلًا.

الرجال الذين جعلوا للاشيء قيمة

بحلول عام 499 ميلادي تقريبًا، كان الفلكي آريابهاتا يستعمل نظامًا عشريًا موضعيًا في حسابات فلكية بالغة الدقة: ترقيم موضعي، حيث المكان الذي تكتب فيه هو المعنى.

لكن اللحظة الحاسمة جاءت عام 628 ميلادي، في كتاب اسمه براهماسفوتاسيدهانتا، وضعه الرياضي براهماغوبتا. فعل ما لم يفعله أي نص سابق وصل إلينا: عامل الصفر بوصفه عددًا قائمًا بذاته، ودوّن قواعده. ماذا يحدث حين تضيف صفرًا إلى كمّية. وماذا يحدث حين تطرح عددًا من نفسه. وكيف يتصرف الصفر في الضرب. كما قنّن الأعداد السالبة: الديون، أي ما يقع على الجانب الآخر من العدم.

لم يصب في كل شيء (فمحاولاته في القسمة على صفر بقيت ناقصة، وهو لغز احتاج ألف سنة أخرى ليُحسم تمامًا). لكنه حوّل «اللاشيء» إلى أداة تعمل. ولم يعد الحساب بعدها كما كان.

أقدم الأصفار التي ما زال بإمكاننا لمسها

الدليل المادي ينحصر في أثرين.

الأول مخطوطة بخشالي، أوراق من لحاء البتولا تحمل مسائل رياضية تستعمل نقطة كعلامة للصفر: شونيا بيندو، أي «نقطة الموضع الخالي». في 2017 أجرت أكسفورد تأريخًا بالكربون المشعّ لأجزاء منها فأرجعتها إلى القرن الثالث أو الرابع، وهو ما يجعلها أقدم صفر مسجَّل في العالم. غير أن هذا التأريخ المبكر محل خلاف: يرى عدد من مؤرخي الرياضيات الهندية أن المخطوطة أُلّفت عملًا واحدًا في زمن لاحق. فالأحرى أن يُنظر إليها بوصفها نقاشًا مفتوحًا، لا سجلًا محسومًا.

أما الأثر الثاني فصلب على نحو جميل: منقوش على جدار معبد تشاتوربهوج في غواليور، ومؤرَّخ بعام 876 ميلادي، يقف العدد 270، وفيه دائرة صغيرة تمثّل الصفر، وهي بلا لبس سلف الصفر الذي على لوحة مفاتيحك. إنه من أقدم الأصفار المؤرَّخة غير المتنازع عليها في صورتها الحديثة، ويمكنك أن تذهب وتضع يدك عليه.

كيف حملت أرقام الهند اسم غيرها

انتهى العالم إلى تسميتها الأرقام العربية، والسبب يكمن في الطريق الذي قطعته.

انتقلت الأرقام الهندية غربًا إلى العالم الرياضي المزدهر في الخلافات العربية في العصر الوسيط. ونحو عام 820 ميلادي وضع العالم الكبير الخوارزمي رسالة في الحساب بما سمّاه هو نفسه الأرقام الهندية. وبعد قرون عبرت إلى أوروبا، وأشهر ذلك عبر ليبر أباتشي لفيبوناتشي عام 1202، فسمّاها التجار والرياضيون الأوروبيون، وقد تلقّوها من العالم العربي، «عربية» على نحو طبيعي.

وثمة تفصيل واحد يكشف القصة كلها: العلماء العرب أنفسهم لم يدّعوا هذا الاختراع قط. ففي العربية كانت هذه الأرقام تُسمّى الأرقام الهندية، وهو اسمها الصريح. فالذين نقلوها كانوا يعرفون تمام المعرفة من أين جاءت. أما الذي علّق عليها التسمية الخطأ فكان محطتها الأخيرة، وثبتت التسمية.

اختراع مختبئ على مرأى من الجميع

من السهل التقليل من شأن هذا كله، لأن النظام العشري صار اليوم شاملًا إلى حد الاختفاء، حتى ليبدو حقيقة من حقائق الطبيعة لا إنجازًا بشريًا. وقد دهش الرياضي بيير سيمون لابلاس من أن نظامًا بهذا العمق (نظامًا يتيح لطفل أن يحلّ مسائل هزمت أعظم عقول العصور القديمة) قد اختُرع أصلًا، ثم أُخذ بعد ذلك على أنه من المسلَّمات إلى هذا الحد.

كل جدول بيانات، وكل بطاقة سعر، وكل سطر برمجي يمسّ رقمًا، يعمل على الفكرة التي توصّلت إليها الهند: أن الموضع يحمل قيمة، وأن العدم شيء يمكن أن يُكتب. ولعل هذا أكبر ما صدّرته الهند إلى الحضارة الإنسانية.

غير أننا، ونحن نخرج به، كتبنا عليه اسم شخص آخر.

Share
Copied!

المصادر وقراءات إضافية

  1. Encyclopædia Britannica: Brahmagupta
  2. Encyclopædia Britannica: Hindu-Arabic numerals
  3. Encyclopædia Britannica: Aryabhata I
  4. University of Oxford (GLAM): Carbon dating and the Bakhshali manuscript

أُعِدّ هذا المقال وكُتب بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، وحُرِّر للتحقق من دقته. وهو للمعلومة العامة والنقاش فقط، وليس مشورة مهنية. راجع معاييرنا التحريرية وإخلاء المسؤولية. وجدت خطأ؟ أخبرنا.

#zero#mathematics#brahmagupta#aryabhata#indian science

أعجبك المقال؟ احصل على التالي.

مقال جيد واحد في كل مرة، يصلك مباشرة إلى بريدك. بلا رسائل مزعجة، ويمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.

المزيد في تاريخ الهند
عام 2008 هوجمت الهند ولم ترد. عام 2025 استغرق الأمر خمسة عشر يوماً
بين هجوم البرلمان عام 2001 وبهلغام عام 2025، أعادت الهند كتابة ما تفعله بعد هجوم يودي بأرواح جماعية. جاء كل رد أسرع من سابقه. أما ما إذا كان ذلك قد جعل الهند أكثر أماناً فسؤال لم يُحسم.
عشرة رجال جاؤوا عن طريق البحر. وبعد ستين ساعة، أعادت الهند بناء طريقة الدفاع عن نفسها
قتل عشرة مسلحين 166 شخصاً في أنحاء مومباي في نوفمبر 2008. ما خسرته المدينة معروف جيداً. أما ما كشفه الهجوم، وما بنته الهند رداً عليه، فهو الجزء الجدير بالمعرفة.
مات 189 شخصاً في قطارات مومباي عام 2006. وفي 2025 برّأتهم المحكمة العليا جميعاً
تعرضت مومباي لتفجيرات في أعوام 1993 و2003 و2006 و2011. الانفجارات هي النصف الذي يعرفه الجميع. أما النصف الآخر فيقع في قاعات المحاكم على مدى العقود التالية.
← كل المقالات