صورة: Jayaseerlourdhuraj / Wikimedia Commons, CC BY-SA 3.0 (مقتصّة)
العربية
في أبريل ومايو ويونيو 1945 حفرت هيئة المسح الأثري الهندية ثلاثة أشهر على ضفة بحيرة ساحلية قرب بونديشيري، فعثرت على فخار إيطالي ومصابيح رومانية وأحواض من الطوب وصناعة للخرز. وجاءت أعمال فيمالا بيغلي اللاحقة بأقدم استيطان بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد.
في أبريل ومايو ويونيو 1945 حفرت هيئة المسح الأثري الهندية ثلاثة أشهر على ضفة بحيرة ساحلية تبعد ميلين جنوب بونديشيري، واستخرجت فخارا إيطاليا أحمر مصقولا وجرارا متوسطية للنبيذ ومصابيح رومانية ومخزنا من الطوب يزيد طوله على 150 قدما (نحو 46 مترا). يعرف القرويون هذا التل باسم أريكامدو، وهو على ساحل كوروماندل فيما يُعرف اليوم ببودوتشيري. وكتب مورتيمر ويلر، المدير العام للهيئة حينها، في تقريره الصادر عام 1946 أنه إحدى محطات «اليافانا»، أي المحطات التجارية الغربية، التي يصفها الكتّاب الإغريق والرومان وشعراء التاميل القدماء على السواء، وأنه أول محطة منها تُحدَّد بالتنقيب في الهند.
ثم أرجع منقّبون لاحقون تواريخه إلى الوراء بقرنين أو أكثر. والصورة التي بقيت هي صورة ميناء عامل يستقبل بضائع من البحر المتوسط وينتج بضائعه الخاصة، ومنها الخرز.
شقفة حمراء في مكتبة البلدة
رواية ويلر نفسه لبداية الحفر قصيرة. ففي زيارة إلى بونديشيري عام 1944 رأى عدة شقف من الفخار الإيطالي الأحمر المصقول، المعروف بالفخار الأريتي، بين مقتنيات معروضة في مكتبة البلدة. والاسم مأخوذ من أريتيوم، الاسم الروماني لمدينة أريتسو، وكان ويلر يعلم أن تاريخه يمكن تحديده بهامش بضعة عقود. وكتب أن هذا خط مرجعي ثابت لآثار جنوب الهند قبل العصر الوسيط، لأن الفخار الهندي الذي وُجد معه لا بد أن يشاركه في التاريخ.
وللتل تاريخ سابق. فقد استشهد ويلر بالرحالة الفرنسي لو جونتيل الذي وصف البقايا الظاهرة في القرن الثامن عشر، وبسجل لنهب الطوب يعود إلى 1734. ومنذ 1937 جمع ج. جوفو دوبرويل خرزا وأحجارا كريمة التقطها أطفال محليون من سطح الأرض، وأفاد بأن إحداها تحمل رأس أغسطس منقوشا نقشا غائرا، وهو تصميم محفور منخفض في الحجر. وحفر الأخ ل. فوشو و ر. سورلو، وهو ضابط فرنسي في الأشغال العامة، في الموقع منذ 1941 دون تسجيل الطبقات.
وبإذن من الحاكم الفرنسي، أشرف ويلر على موسم 1945 مع أ. غوش وكريشنا ديفا ومجموعة من طلاب الهيئة ضمت ب. ب. لال و ب. ك. ثابار، إضافة إلى نحو خمسة وعشرين طالبا وموظفا من جامعات هندية وولايات. وقال إنها كادت تكون المرة الأولى التي تُطبَّق فيها تقنيات الحفر الحديثة في جنوب الهند.
ما حملته الخنادق
ضم القطاع الشمالي المخزن. ووصف ويلر هيكلا مستطيلا من الطوب، مطليا من الخارج بالجص لصد الماء، بُني على الشاطئ القديم نحو 50 م. وكانت أرضه ترتفع أربعة أقدام ونصفا فوق أدنى مداميك الطوب، وقدّر أنه هُجر في غضون جيل واحد لأن الأرض المنخفضة كانت تغرق بالماء.
أما القطاع الجنوبي فكان يرتفع نحو عشرة أقدام فوق مستوى الفيضان. وفيه فناءان محاطان بجدران يتصلان بأحواض من الطوب تُملأ وتُفرغ عبر مجارٍ. وخمّن ويلر، وقال إنه تخمين، أنها استُعملت في تحضير قماش الموسلين. ويطبع تقريره رسالة من معهد حكومي للنسيج تفيد بأن الأحواض المبنية بالحجر لا تزال تُستعمل في الصباغة في أجزاء من مقاطعتي ساوث آركوت وتشينغلبت.
وخرج الخرز بأعداد كبيرة. فالتقرير يعد أكثر من مئتين، معها خرز غير مكتمل وشظايا حجر شبه كريم متبقية من العمل، واستنتج ويلر أنه كان يُصنع على نطاق واسع في الموقع. وكانت موادها العقيق الأحمر والجمشت وكريستال الصخر والعقيق اليماني والصدف والزجاج والذهب. وفي قراءته أن حجرين كريمين منقوشين، أحدهما لم تُهذَّب حافته، قطعهما قاطعو أحجار إغريقيون رومانيون، وهو ما رأى أنه يوحي بوجود حرفيين غربيين في المكان.
وحملت ثماني عشرة شقفة كتابات منقوشة. ووجد ويلر أن جميع ما أمكن إعادة تركيبه منها، إلا اثنتين، بالتاميلية، وهي من أقدم الأمثلة المعروفة للغة، ويعود تاريخها إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين. وقد أُرخت شقف عليها كتابة بالتاميلية البراهمية من كيزهادي إلى قرون أقدم، وهو تأريخ يدور حوله الجدل بدوره. ولم يسجل ويلر في أريكامدو أي عملات في الطبقات القديمة.
واستخلص من الفخار نتيجة كبيرة. فلأن الأواني المتوسطية يمكن تأريخها، كتب أن الثقافة الهندية المجاورة لها «تنال شرف أن تكون أول ثقافة هندية قديمة يُحدَّد تاريخها أثريا في شبه القارة الهندية».
بودوكي، ومدى ثبات الاسم
«الطواف حول البحر الإريتري» دليل ملاحي كتبه تاجر مصري ناطق بالإغريقية لم يُعرف اسمه، نحو منتصف القرن الأول الميلادي. وفي القسم 60، في ترجمة شوف عام 1912، يسمي أهم أسواق هذا الشريط من الساحل: كامارا وبودوكا وسوباتما. وكانت القوارب المحلية تعمل على الساحل انطلاقا منها، وتبحر السفن الأكبر إلى الغانج، و«أكثر ما يُجلب من مصر في أي وقت يأتي إلى هنا». وترجمة كاسون اللاحقة تكتب اسم الميناء الأوسط بودوكي، ويشير ويلر إلى أن بطليموس يذكر سوقا تجارية اسمها بودوكي شمال مصب كافيري.
وملحق ويلر عن الاسم القديم حذر. فقد كتب أن كل ما يمكن استنتاجه هو أن موقع أريكامدو يتفق مع إشارات «الطواف» وبطليموس، على بعد 60 ميلا شمال ترانكيبار و20 ميلا جنوب ماركانام. وأضاف أن العثور على مركز تجاري روماني بجوار بونديشيري يعطي هذه المطابقة وزنا «ربما حاسما». أما شوف نفسه فقد وصف موقع الموانئ الثلاثة كلها بأنه موضع تخمين، وأشار إلى أن يول كان يفضل بوليكات. وفي المقابل يدرج كتّاب لاحقون، منهم دليل إلكتروني للأماكن في «الطواف» مبني على نص كاسون، أريكامدو بوصفها بودوكي دون هذا التحفظ، فالتعريف إذن هو الإجماع العملي لا حقيقة مثبتة.
وعلى الجانب الآخر من شبه الجزيرة، يصف «الطواف» نفسه ميناء كيرالا موزيريس. والشعر التاميلي القديم الذي يقتبس منه ويلر، ومنه ملحمة سيلاباديكارام، يضع تجار اليافانا وبحارتهم في بوهار وفي موزيريس.
تواريخ ويلر والمراجعات
أرّخ ويلر الفخار الأريتي في أريكامدو بين 20 و50 م، وأرّخ أول استيطان بنهاية القرن الأول قبل الميلاد أو بداية القرن الأول الميلادي، مائلا إلى التاريخ الأحدث. وكان سببه تاريخيا في جزء منه: فقد رأى أن التجارة الرومانية مع الشرق نشأت من توحيد البحر المتوسط في عهد أغسطس (23 ق.م إلى 14 م)، فوجود روماني قبل 23 ق.م غير مرجح. وقدّر أن الموقع سُكن بين قرن وقرنين، وأن نهايته نحو 200 م «افتراض معقول».
وحفر جان ماري كازال الموقع مرة أخرى من 1947 إلى 1950، وحدد استيطانا أقدم سابقا للتجارة في القطاع الجنوبي سماه «الميغاليثي». ثم أعادت فيمالا بيغلي دراسة مواد الحفريتين كلتيهما. وذهبت في بحثها المنشور عام 1983 في «المجلة الأمريكية لعلم الآثار» إلى أن الموقع أُسس نحو منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، وأن الاتصال بالمتوسط ربما بدأ بحلول أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، وأن المرحلة الأريتية وقعت في الربع الأول من القرن الأول الميلادي لا في ربعه الثاني كما قال ويلر.
وتلت ذلك حفريات بيغلي من 1989 إلى 1992. وفي فصل كتبته عام 1997 ونُشر بعد وفاتها عام 2000، جعلت أقدم استيطان، السابق للتجارة، بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد، وأرجحه في الثاني. ووضعت الأمفورات المتوسطية، وهي جرار النبيذ، قبل نهاية القرن الأول قبل الميلاد، والسيجيلاتا الإيطالية من نحو نهاية ذلك القرن إلى منتصف القرن الأول الميلادي، مستشهدة بمدى باحثين آخرين هو 10 ق.م إلى 30 م و10 ق.م إلى 50 م بوصفهما تقديرين تقريبيين. وامتدت المراحل اللاحقة من النصف الثاني للقرن الأول الميلادي إلى القرن الثالث أو ما بعده، وربما إلى السابع. وتختلف الملخصات في البداية: فموقع «ذا برنت» الذي كتب عام 2024 يذكر 300 ق.م لاستيطان بيغلي الجنوبي، بينما يعطي فصلها نفسه مدى القرون الثلاثة.
من صنع الأوعية الحمراء
وحدد ويلر أيضا «الفخار المخرَّم بالعجلة»، وهو صحن أسود يُختم باطنه المسطح بأحزمة متحدة المركز من نقرات صغيرة. ورأى أن النوع الرقيق منه مشتق من الفخار الأريتي، وعدّ التجارة مشروعا رومانيا منذ عهد أغسطس. أما كريشنا ديفا، مساعده في الفخار، فرأى أن النوع الخشن محلي، ولم يكن متأكدا من مصدر النوع الرقيق.
وفحصت بيغلي في مقالها المنشور عام 1986 في مجلة «إكسبيديشن» التابعة لمتحف بن أكثر من 400 شقفة من هذا الفخار في مجموعات أريكامدو الباقية. وذهبت إلى أن التقنية جُلبت على الأرجح من العالم الكلاسيكي، لكن النوع الرقيق يختلف عن فخار المتوسط في العجينة والشكل والزخرفة، وأن خزافين محليين مهرة كان بوسعهم صنعه متى فهموا الطريقة. وأرخت أول ظهور له في أريكامدو بالقرن الثاني أو الأول قبل الميلاد، واستنتجت أن الموقع كان مركزا كبيرا للإنتاج والتوزيع، وأن هذا الفخار بلغ شمال غرب سريلانكا ودلتا الغانج. ووصفت ذلك باستنتاج عملي يحتاج إلى مزيد من الاختبارات.
وامتد الوصول غربا كذلك. يذكر بيتر فرانسيس الابن أن اثنتي عشرة شقفة من ميناء بيرينيكي على البحر الأحمر عُرف أنها جاءت من أريكامدو أو مواقع قريبة منها، وكلها ما عدا اثنتين تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد أو القرن الأول الميلادي. ويضيف أن الخرز الزجاجي الصغير المسحوب في تجارة المحيط الهندي من منتجات أريكامدو والمواقع المرتبطة بها، وإن كان يرى أن ما وُجد منه في بيرينيكي صُنع على الأرجح في مانتاي بسريلانكا.
موقع بقي مستعملا بعد الرومان بزمن طويل
قرأ ويلر الصيني المعروف بالسيلادون من القرنين التاسع إلى الثاني عشر وعملات تشولا في التربة العليا المضطربة علامات على نهب الطوب في العصر الوسيط لا على استيطان. وتذكر بيغلي في فصلها أن مواد من القرن الثالث إلى السادس أو السابع «تبدأ ببطء في الظهور»، وأن مواد العصر الوسيط موجودة لكنها خارج نطاق بحثها، ولا تعطي تاريخا نهائيا مؤكدا لانتهاء الموقع لشدة اضطرابه. ويحدد فرانسيس المدى بالقرن الثاني قبل الميلاد على الأقل إلى القرن السابع عشر الميلادي، مع طبقات شديدة الاختلاط.
ما يقوم هناك اليوم
كتبت ديشا أهلووالية، عالمة الآثار في المجلس الهندي للبحوث التاريخية، في «ذا برنت» يوم 7 أكتوبر 2024 أن الموقع تحت حماية هيئة المسح الأثري منذ 1982. وتفيد بأن مؤتمرا عام 2004 نظمته إدارة بونديشيري وسفارة إيطاليا اقترح صونه وترشيحه لدى اليونسكو ضمن مشروع مواقع طريق الحرير في الهند، وأن الهيئة اشترت أرضا ووضعت مخططا رئيسيا مع متحف للموقع. وفي روايتها، المكتوبة بعد نحو عشرين عاما من الإعلان عن هذه الخطط، لا تشير إلى الموقع إلا لوحة واحدة تابعة للهيئة، ولا لافتات تدل عليه من طريق أريكامدو.
المصادر وقراءات إضافية
- R. E. M. Wheeler, with A. Ghosh and Krishna Deva, Arikamedu: an Indo-Roman Trading-station on the East Coast of India, Ancient India, Bulletin of the Archaeological Survey of India, No. 2 (July 1946), pp. 17 to 124 (scan at the Internet Archive from the IGNCA collection)
- The Periplus of the Erythraean Sea, translated and annotated by W. H. Schoff (London, 1912), sections 59 and 60 and notes (Internet Archive)
- The Periplus Maris Erythraei, digitised Schoff text with an introduction on the author and date (Ancient Ports Antiques)
- Navigating the Periplus: Podouke, with the Casson translation of chapter 60 and the identification with Arikamedu
- Vimala Begley, The Dating of Arikamedu and its Bearing on the Archaeology of Early Historical South India, in South-Indian Horizons, Institut Francais de Pondichery, 2004, pp. 513 to 537
- Vimala Begley, Rouletting and Chattering, Expedition Magazine 28, no. 1 (March 1986), Penn Museum
- Vimala Begley, Arikamedu Reconsidered, American Journal of Archaeology 87, no. 4 (1983), pp. 461 to 481 (bibliographic record with abstract, Penn Archaeological Bibliography)
- Peter Francis Jr., Bryn Mawr Classical Review 1999.10.38 (response on Arikamedu, Berenike and Indo-Pacific beads)
- Disha Ahluwalia, Arikamedu, an ancient Indo-Roman trading port you have never heard of, ThePrint, 7 October 2024
أُعِدّ هذا المقال وكُتب بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، وحُرِّر للتحقق من دقته. وهو للمعلومة العامة والنقاش فقط، وليس مشورة مهنية. راجع معاييرنا التحريرية وإخلاء المسؤولية. وجدت خطأ؟ أخبرنا.
أعجبك المقال؟ احصل على التالي.
مقال جيد واحد في كل مرة، يصلك مباشرة إلى بريدك. بلا رسائل مزعجة، ويمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.